أبو نصر الفارابي
260
الأعمال الفلسفية
ولمّا كانت هذه الصناعة تفيد النطق كماله ؛ سمّيت صناعة المنطق ؛ والذي به يدرك الإنسان مطلوبه ؛ ( و ) قد يسمّى أيضا الجزء الناطق من النفس . فصناعة المنطق هي التي بها ينال الجزء الناطق كماله . ولما كان اسم المنطق قد يقع على العبارة باللسان ؛ ويظنّ كثير من الناس أنّ هذه الصناعة قصدها أن تفيد الإنسان المعرفة بصواب العبارة ؛ وليس ذلك كذلك . بل الصناعة / التي تفيد العلم بصواب العبارة والقدرة عليه ؛ هي « 252 » صناعة النحو . وسبب الغلط في ذلك هو مشاركة المقصود بصناعة « 253 » النحو المقصود بهذه الصناعة في الاسم فقط ؛ فإنّ كليهما يسمّى باسم المنطق ، غير أنّ المقصود في هذه الصناعة من المعنيين اللّذين يدلّ عليهما اسم المنطق هو أحدهما دون الآخر . وبين صناعة النحو وصناعة المنطق تشابه ما ؛ وهو أنّ صناعة النحو تفيد العلم بصواب ما يلفظ به والقوّة على الصواب منه ، بحسب عادة أهل لسان ما . وصناعة المنطق تفيد العلم بصواب ما يعقل ، والقدرة على اقتناء الصواب فيما يعقل . وكما أنّ صناعة النحو تقوّم اللسان حتى لا يلفظ إلّا بصواب ما جرت به عادة أهل لسان ما ، كذلك صناعة المنطق تقوّم الذهن حتى لا يعقل إلّا الصواب من كلّ شيء . وبالجملة فإنّ نسبة صناعة النحو إلى الألفاظ ؛ هي كنسبة صناعة المنطق إلى المعقولات ، فهذا تشابه ما بينهما . فإمّا
--> ( 252 ) م ، ح : هو . ( 253 ) ح : لصناعة .